فخر الدين الرازي

66

تفسير الرازي

والله عليكم حكيم ( 26 ) المسألة الأولى : اللام في قوله : * ( ليبين لكم ) * فيه وجهان : الأول : قالوا : إنه قد تقام اللام مقام " أن " في أردت وأمرت ، فيقال : أردت أن تذهب ، وأردت لتذهب ، وأمرتك أن تقوم ، وأمرتك لتقوم ، قال تعالى : * ( يريدون ليطفؤا نور الله ) * ( الصف : 8 ) يعني يريدون أن يطفؤا ، وقال : * ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) * ( الأنعام : 71 ) . والوجه الثاني : أن نقول ؛ إن في الآية إضمارا ، والتقدير : يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم وشرعكم ، وكذا القول في سائر الآيات التي ذكروها ، فقوله : * ( يريدون ليطفؤا نور الله ) * يعني يريدون كيدهم وعنادهم ليطفؤا ، وأمرنا بما أمرنا لنسلم . المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : قوله : * ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) * معناهما شئ واحد ، والتكرير لأجل التأكيد وهذا ضعيف ، والحق أن المراد من قوله : * ( ليبين لكم ) * هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف ، وميز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح . ثم قال : * ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) * وفيه قولان : أحدهما : أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة ، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والملل ، والثاني : أنه ليس المراد ذلك ، بل المراد أنه تعالى يهديكم سنن الذين من قبلكم في بيان مالكم فيه من المصلحة كما بينه لهم ، فان الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها ، إلا أنها متفقة في باب المصالح ، وفيه قول ثالث : وهو أن المعنى : أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق . ثم قال تعالى : * ( ويتوب عليكم ) * قال القاضي : معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس الطاعة ، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها ، كذلك وقع التقصير والتفريط منا ، فيريد أن يتوب علينا ، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب ، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة . واعلم أن في الآية إشكالا : وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى ، والآية مشكلة على كلا القولين . أما على القول الأول : فلأن على هذا القول كل ما يريده الله تعالى فإنه يحصل ، فإذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، وأما على القول الثاني : فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا ، وقوله : * ( ويتوب عليكم ) * ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ويحصل لنا هذه التوبة ، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين .